الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

185

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وبديهي ، أن التعبير لا يعني أن الله تعالى له مكان وكمين يرصد فيه الطواغيت ، بل كناية عن إحاطة القدرة الإلهية بكل الجبارين والطغاة والمجرمين ، وسبحانه وتعالى عن التجسيم وما شابه . وقد ورد في معنى الآية عن الإمام علي ( عليه السلام ) قوله : " إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم " ( 1 ) . وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، أنه قال : " المرصاد قنطرة على الصراط ، لا يجوزها عبد بمظلمة عبد " ( 2 ) . وهذا مصداق جلي للآية ، حيث أن المرصاد الإلهي لا ينحصر بيوم القيامة والصراط ، بل هو تعالى بالمرصاد لكل ظالم حتى في هذه الدنيا ، وما عذاب تلك الأقوام الآنفة الذكر إلا دليل واضح على هذا . " ربك " : إشارة إلى أن هذه السنة الإلهية لم تقف عند حد الذين خلوا من الأقوام السالفة ، بل هي سارية حتى على الظالمين من أمتك يا محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . وفي ذلك تسلية لقلب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتطمينا لقلوب المؤمنين ، فالوعد الإلهي قد أكد على عدم انفلات الأعداء المعاندين من قبضة القدرة الإلهية أبدا أبدا ، وفيه تحذير أيضا لأولئك الذين يؤذون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويظلمون المؤمنين ، تحذير بالكف عن ممارساتهم تلك وإلا سيصيبهم ما أصاب الأكثر منهم قدرة وقوة ، وعندها فسوف لن تقوم لهم قائمة إذا ما أتتهم ريح عاصفة أو صيحة مرعبة أو سيل جارف يقطع دابرهم . روي عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أنه قال : " أخبرني الروح الأمين أن الله لا إله غيره إذا وقف الخلائق وجميع الأولين والآخرين ، أتى بجهنم ثم يوضع عليها صراط أدق من الشعر وأحد من السيف ، عليه ثلاث قناطر . . . الأولى : الأمانة

--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 487 . 2 - المصدر السابق .